عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
343
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
أبوه يا إبراهيم لو خرجت إلى عيدنا لأعجبك ديننا فخرج معهم فلما كان في أثناء الطريق نظر في النجوم أي فيما نجم له من الرأي وقالت عائشة رضي اللّه عنها : كان علم النجوم من النبوة ثم بطل فقال إني سقيم لأن كل من يموت يسقم وقيل إنه كان محموما في تلك الساعة فرجع إلى بيت الأصنام وأخذ فأسا وجعلهم جذاذا أي قطعا ثم علق الفأس في عنق الصنم الكبير . ( مسألة ) قال القاضي أبو الطيب : الحيلة جائزة واستدل بما فعله إبراهيم وبقوله تعالى : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ [ ص : 44 ] الآية فلو قال لزوجته إن دخلت الدار فأنت طالق فالحيلة أن يخالعها ثم تدخل الدار ثم يتزوجها فتنحل اليمين وإن تزوجها بعد الخلع وقبل دخولها الدار فلا يقع الطلاق أيضا ، فلو قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر فالحيلة أن يبيعه أو يهبه فإذا دخل الدار فلا يقع العتق ويسترده من الذي اشتراه ببيع أو هبة . قال الزركشي في قواعده : والحيلة العامة أسهل من هذا بأن يقول كلما طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا فإذا دخلت الدار لا تطلق ، وكذا لو قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر ثم قال كلما وقع عليك عتقي فأنت حر قبله فإذا دخل لا يعتق ، وتقدم بيان الضغث في فصل الصبر ، ولو حلف أن يضربه مائة سوط أو مائة قضيب فشد مائة وضربه بها ضربة واحدة بر في يمينه وإن شك في إصابة الجميع ، فلما رجع قوم إبراهيم إلى بيت الأصنام قالوا من فعل هذا بآلهتنا ؟ قالوا سمعنا فتى بذكرهم يقال له إبراهيم قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون أي عليه بالفعل أو يشهدون عذابه الذي نعذبه له فلما ظهرت عليهم الحجة بعد أن أجرى اللّه على ألسنتهم الحق بقوله تعالى : إنكم أنتم الظالمون بعبادة من لا ينطق فلما أدركتهم الشقاوة رجعوا إلى كفرهم قال اللّه تعالى : ثم نكسوا على رؤوسهم أي انقلبوا عن تلك الحالة التي أقروا فيها على أنفسهم بالظلم إلى المجادلة بالباطل فقال رجل من الأكراد حرقوه فخسف اللّه به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة . قال القزويني : قال إبليس لعنه اللّه أنا مع الأكراد في راحة لأنهم لا يخالفونه فبنوا حظيرة طولها ثمانون ذراعا وعرضها أربعون ذراعا ونادى النمروذ أيها الناس اجمعوا الحطب لنار إبراهيم فكانت المرأة تنذر إن قضيت حاجتها لتحتطبن لنار إبراهيم وكانت المرأة تغزل وتشتري بغزلها حطبا لنار إبراهيم تتقرب بذلك في دينها ، وكان المريض يوصي أن يشتري الحطب من ماله لنار إبراهيم فلما جمعوا الحطب أوقدوا النار من كل جانب سبعة أيام فلما أرادوا إلقاءه عجزوا عن إلقائه في النار فعلمهم إبليس صنعة المنجنيق وأول من رمي به في الإسلام نبي اللّه إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام فقيدوا إبراهيم ووضعوه في المنجنيق فضجت السماوات والأرض والملائكة ضجة واحدة وقالوا ربنا خليلك يلقى في النار وليس في الأرض أحد يعبدك غيره فأذن لنا في نصرته فقال هو خليلي ليس لي خليل غيره وأنا إلهه ليس له إله غيري فإن استغاث بكم فأغيثوه فإن لم يدع غيري فأنا وليه فخلوا بيني وبينه فلما أرادوا إلقاءه في النار جاءه خازن المياه وقال : إن أردت أخمدت النار عنك بالماء وجاءه خازن الهواء وقال : إن شئت طيرت النار عنك في الهواء فقال لا حاجة لي بكم حسبي اللّه ونعم الوكيل .